وفاء كمزن الغوطتين كريم

يوليو 28, 2011 - بدوي الجبل    لا تعليق

 

وفاء كمزن الغوطتين كريم و حبّ كنعماء الشام قديم
و شعر كآفاق السماء تبرّجت شموس على أنغامه و نجوم
يلمّ (شفيق) كوكبا بعد كوكب و نسّق منها العقد فهو نظيم
معان بألوان الجمال غنيّة كما زفّ ألوان الطيوب نسيم
و وشي كأحلام الشباب يصوغه أنيق بأسرار البيان عليم
سقاني سلاف الشعر حتّى ترنّحت دموع و غنّت لوعة و كلوم
ففي كلّ بيت ريقة أو سلافة و ريحانة شاميّة و نديم
***
تطوّحني الأسفار شرقا و مغربا و لكنّ قلبي بالشام مقيم
و أسمع نجواها على غير رؤية كأنّي على طور الجلال (كليم)
و ما نال من إيماني السّمع أنّني أصلّي لها في غربتي و أصوم
و لا نال من قدري اغتراب و عسرة يصان و يغلي الدرّ و هو يتيم
و للمجد أعباء و لكنّها منى و للمكرمات الغاليات هموم
و خاصمني من كنت أرجو وفاءه و للشّمس بين النيّرات خصوم
يلاقي العظيم الحقد في كلّ أمّة فلم ينج من حقد الطّغام عظيم
و يقذى بنور العبقريّة حاسد و يخزى بمجد العبقريّ لئيم
و تشقى على الحقد النّفوس كما انطوت قلوب على جمر الغضا و حلوم
و لم يدر نعماء الكرى جفن حاقد و هل قرّ عينا بالرّقاد سليم
و يزعم أنّ الحقد يبدع نعمة و هيهات من نعمى البنين عقيم
و ما بنيت إلاّ على الحبّ أمّة و لا عزّ إلاّ بالحنان زعيم
و لا فوق نعماء المحبّة جنّة و لا فوق أحقاد النّفوس جحيم
هو الحبّ حتّى يكرم العدم موسر و يأسى لأحزان الغنيّ عديم
و حتّى يريح الذّنب من حمل وزره حنان بغفران الذّنوب زعيم
و يا ربّ قلبي ما علمت . محبّة و عطر و وهج من سناك صميم
و آمنت حتّى لا أروم لبانة تخالف ما تختاره و تروم
جلا نورك الدنيا لعيني وسيمة فلم يبق حتّى في الهموم دميم
و سلّمت أمري لا من اليأس بل هوى أصيل و إرث طاهر و أروم
فررت إلى قلبي من العقل خائفا كما فرّ من عدوي المريض سليم
تألّه عقل أنت يا ربّ صغته و كاد يردّ الميت و هو رميم
و ضاقت به الدنيا ففي كلّ مهجة هواجس من كفرانه و غموم
و أبدعت هذا العقل نعمى قطافها فنون كأطياب الهوى و علوم
ترفّ حضارات عليه وضيئة و خير كإغداق السماء عميم
و غرّد في عدن لحورك شاعر و غازل أسرار السماء حكيم
فما بال هذا العقل جنّ جنونه فردّ ملاك الطّهر و هو أثيم
و زلزل منه البرّ و البحر كافر بنعماك مرهوب الحتوف غشوم
و في كأسه عند الصّباح سلافة و في كأسه عند المساء سموم
و يعطي المنى ما تشتهي فهو محسن و ينهب ما أعطاه فهو غريم
تحدّاك حتّى كاد يزعم أنّه شريك لجبّار السّماء قسيم
و حاول غزو النّيرين فردّه عن الذروة العصماء و هو رجيم
و كفّ عنان العقل قسرا فربّما أثير بإلحاح السّفين حليم
جلت هذه الدّنيا لعيني كنوزها لوامع يغري برقها فأشيم
أفانين من حسن وجاه و نعمة معادن نور كلّهنّ كريم
و وشي به الألوان حيرى كأنّها سماء فتصحو لمحة و تغيم
و لم أتردّد و انتقيت .. و حبّها و أحلامها ما اخترت حين تسوم
قد اختصرت دنيا بقلبي و عالم كما اختصر العلم الشتيت رقيم
و توجز في قارورة العطر روضة و توجز في كأس الرّحيق كروم
و أعرض إعراض الخليّ من الهوى و بي من هواها مقعد و مقيم
و ما حيلتي إن نمّ عن نفسه الهوى هو العطر و العطر الزكي ّ نموم
تشابهت السّمراء و الدّهر شيمة كلا القادرين القاهرين ظلوم
و أكرمها عن كلّ لوم وأنثني أعاتب قلبي وحده و ألوم
و لو أنّ شعري دلّل الرّيم نافرا تلفّت يجزيني الصبابة ريم
***
تبادهني عند البحيرة دمّر و روض على أفيائها و شميم
و ورق على شطّ البحيرة حوّم و ورق على قلب الغريب تحوم
خيال جلا لي الشام حتّى إذا انطوى تنازع قلبي عبرة و وجوم
و قرّبها ما شئت حتّى احتضنتها و غابت بحار بيننا و تخوم
و حيّت من الرّوح الشاميّ نفحة ولوع بأشتات الطّيوب لموم
و لاح صغاري كالفراخ و أمّهم حنون كورقاء الغصون رؤوم
فراخ و إن طاروا و للريح ضجّة و للرعد زأر في الدّجى و هزيم
فطرنا على حبّ البنين ، سجيّة تلاقى عليها عاذر و مليم
يشبّ الفتى منهم و يبقى لرحمتي كما كان في عينيّ و هو فطيم
و هان بنعماء الطفولة ما درى أهادن دهر أم ألحّ خصيم
غرير يبيّن القول بل لايبينه طفور كأطلاء الظّباء بغوم
نزعت سهام القلب لمّا خلعته عليه و نزع المصميات أليم
و جرت على قلبي فأخفيت أنّه مدمّى بأنواع السّهام كليم
و لولاهم ماروّضتني شكيمة و لا لان منّي في الصّعاب شكيم
***
و هيهات منّي في البحيرة دمّر و سجع بوادي الرّبوتين رخيم
إذا لاح لي وجه البحيرة قاتما ألحّ عليه عاصف و غيوم
فوجه أديم الشام طلق منوّر و وجه بحيرات السماء قسيم
تعلّلت لا أشكو سقاما و لا أذى بلى كلّ ناء عن هواه سقيم
و يحزنني دوح البحيرة عاريا و أوراقه الخضراء و هي هشيم
و أبسط كفّي أقطف الماء عابثا كأنّ المويجات الصّغار جميم
و تلك الظلال الحاليات عواطل على كلّ أيك وحشة و سهوم
تعرّت من الغيد الملاح و طالما تغطّى بأسراب الملاح أديم
رسوم هوى ما استوقفت خطو عابر كما استوقفت ركب الفلاة رسوم
و لا لثم الحصباء فيها متيّم يشمّ الهوى من عطرها فيهيم
يجلّلها اللّيل البهيم و مثله ضحى كالدّجى غمر السواد بهيم
و شمس الضحى خود كعاب يضمّها لغيران من صيد الملوك حريم
يردّ و يجلى عن كوى الغيم وجهها كما ردّ عن باب البخيل يتيم
و يشكو الضحى من هجرها متوجّعا و يوحشه هجرانها و يضيم
تأبّت على جهد الضحى فكأنّها من الغيد مكسال الدلال نؤوم
و ضمّ الظلام السكب ظلاّ لجاره كأنّ الظلال المغفيات جسوم
***
يطارحني دوح البحيرة شجوه كلانا معنّى بالزّمان هضيم
و أشكو له البلوى و يشكو كأنّنا حميم يساقيه العزاء حميم
أتشكو و لكن عندك الريح و الدجى و للجنّ من شتّى الظلال نجوم
و عندك آلاف الطّيوف حوائم روان لأسرار البحيرة هيم
تلملم أسرار البحيرة شرّدا و يفتنها سكب الشذا فتريم
هنا كلّ أسرار البحيرة و الرؤى طوافر في دنيا الخفاء تهيم
هنا عرس الأطياف يفترش الدّجى و يقعد في أحضانه و يقوم
خفاء يضجّ الصمت فيه و بلبل تحدّى ضجيج الصمت فهو نغوم
و لفّ الخفاء الحسن حتّى شكى الهوى و غار حرير مترف و رقوم
فدع لومه إن لم يلح لك سحره خيالك لا سحر الخفاء ملوم
هنا ألف الأطيار و الناس رحمة فللطير أنس فيهم و لزوم
إذا انبسطت راح فللطير فوقها حنين إلى سمح القرى و جثوم
فيا خجلة الصحراء لم ينج جؤذر و لا قرّ عينا بالأمان ظليم
و لم تهن بالعشّ البعيد حمامة فصيّادها صعب المراس عزوم
شكا الطّير من ظلم الأناسيّ و اشتكت ظباء و عشب في الفلاة نجيم
فبا ربّ لا أقوى من الطّير عشّه و لا راع أسراب الظباء غريم
و لا أوحشت رمل الفلاة جاذر و ورد يندّي حرّها و فغوم
و كلّ غمام مرّ في الرّمل ديمة و كلّ كنّاس للظباء مديم
رمال كبرد عاطل الوشي حاكه صناع معنّى بالبرود سؤوم
فزوّقه بالوشي غاد ورائح و عدو جياد ضمّر و رسيم
و يا ربّ في الإنسان و الطير احتمى بغيرك مقصوص الجناح ظليم
و صن كلّ زرع أن ينازع خصبه هجير و ريح – لا ترقّ – حطوم
سنابل وفّت للطيور زكاتها فحنّت إليها جنّة و نعيم
و يا ربّ تدري الشام أنّي أحبّها و أفنى و حبّي للشام يدوم
و لي في ثراها من لداتي أعزّة حماة إذا استخذى الشجاع قروم
تهاووا تباعا واحدا بعد واحد عليه انفراط العقد و هو نظيم
تساقوا مناياهم ضحى العمر و انطوى شبابهم الريّان و هو تميم
و أسرف في الذكرى لأنزح نبعها و لكنّ نبع الذكريات جموم
إذا قلت غاضت بعد لأيّ تدفّقت و للموج فيها كرّة و هجوم
و تسدل أحيانا شفيف لثامها كما لثم الفجر الضحوك سديم
و في كلّ أيك لي على الشام منسك و في كلّ دوح زمزم وحطيم
و كلّ مقام فيك حتى على الأذى حميد و كلّ النأي عنك ذميم
حوالي الصبا إن لم تدرك عواطل و ريح الصّبا ما لم تزرك سموم
و يا ربّ إن سبّحت و الشام قبلتي فأنت غفور للذنوب رحيم
تهلّل عفو الله للذنب عندما أطلّ عليه الذنب و هو وسيم

ابدء وشارك برأيك!